الآلوسي

215

تفسير الآلوسي

وفيه لغات : تخفيف الواو مفتوحة ؛ وحذفها في الشعر ، وتشديدها لهمدان ، وتسكينها لأسد وقيس ، و * ( هو ) * عند أهل الله تعالى اسم من أسمائه تعالى ينبئ عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة ، و * ( هو ) * اسم مركب من حرفين الهاء والواو ، والهاء أصل ، والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع فليس في الحقيقة إلا حرف واحد دال على الواحد الفرد الذي لا موجود سواه وكل شيء هالك إلا وجهه ، ولمزيد ما فيه من الأسرار اتخذه الأجلة مداراً لذكرهم وسراجاً لسرهم ، وهو جار مع الأنفاس ، ومسماه غائب عن الحدس والقياس ، وفي * ( جعل ) * الضمير مبتدأ والموصول خبراً من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى ، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة واللام للتعليل والانتفاع أي : خلق لأجلكم جميع ما في الأرض لتنتفعوا به في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي أمور دينكم بالاستدلال والاعتبار . واستدل كثير من أهل النسة الحنفية والشافعية بالآية على إباحة الأشياء النافعة قبل ورود الشرع ، وعليه أكثر المعتزلة ، واختاره الإمام في " المحصول " ، والبيضاوي في " المنهاج " . واعترض بأن اللام تجيء لغير النفع ك‍ * ( إن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) وأجيب بأنها مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع ، وبأن المراد النفع بالاستدلال ، وأجيب بأن التخصيص خلاف الظاهر مع أن ذلك حاصل لكل مكلف من نفسه فيحمل على غيره ، وذهب قوم إلى أن الأصل في الأشياء قبل الحظر ، وقال قوم بالوقف لتتعارض الأدلة عندهم ، واستدلت الإباحية بالآية على مدعاهم قائلين إنها تدل على أن ما في الأرض جميعاً خلق للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا ، ويرده أنها تدل على أن الكل للكل ، ولا ينافي اختصاص البعض بالبعض لموجب ، فهناك شبه التوزيع ، والتعيين يستفاد من دليل منفصل ، ولا يلزم اختصاص كل شخص بشيء واحد كما ظنه الساليكوتي ، و * ( ما ) * تعم جميع ما في الأرض لأنفسها إذ لا يكون الشيء ظرفاً لنفسه إلا أن يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو ويكفي في التحدر العرش المحيط ، أو تجعل الجهة اعتبارية ، نعم قيل : تعم كل جزء من أجزاء الأرض فإنه من جملة ضروراتها ما فيها ضرورة وجود الجزء في الكل والمغايرة اعتبارية والقول : بأن الكلام على تقدير معطوف أي خلق ما في الأرض والأرض لا أرضي به ، وبعضهم لم يتكلف شيئاً من ذلك ، واستغنى بتقدم الامتنان بالأرض في قوله تعالى : * ( جعل لكم الأرض فراشاً ) * ( البقرة : 22 ) و * ( جميعاً ) * حال مؤكدة من كلمة * ( ما ) * ولا دلالة لها كما ذكره البعض على الاجتماع الزماني وهذا بخلاف معاً ، وجعله حالا من ضمير * ( لكم ) * يضعفه السياق لأنه لتعداد النعم دون المنعم عليه مع أن مقام الامتنان يناسبه المبالغة في كثرة النعم ، ولاعتبار المبالغة لم يجعلوه حالاً من الأرض أيضاً . * ( ثُمَّ اسْتَوَىإلَى السَّمَاء ) * أي علا إليها وارتفع من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحديد قاله الربيع أو قصد إليها بإرادته قصداً سوياً بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من قولهم : استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء قاله الفراء وقيل : استولى وملك كما في قوله : فلما ( علونا واستوينا عليهم ) * تركناهم صرعى لنسر وكاسر وهو خلاف الظاهر لاقتضائه كون * ( إلى ) * بمعنى على ، وأيضاً الاستيلاء مؤخر عن وجود المستولي عليه فيحتاج إلى القول بأن المراد استولى على إيجاد السماء فلا يقتضي تقدم الوجود ، ولا يخفى ما فيه . والمراد بالسماء الاجرام العلوية أو جهة العلو . وثم قيل : للتراخي في الوقت ، وقيل : لتفاوت ما بين الخلقين ، وفضل خلق السماء على خلق الأرض ، والناس مختلفون في خلق السماء وما فيها ، والأرض وما فيها باعتبار التقدم والتأخر لتعارض الظواهر في ذلك ، فذهب بعض إلى تقدم خلق السماوات لقوله تعالى : * ( أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها *